القطار وفوائده

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

القطار وفوائده

مُساهمة  Admin في الأحد يونيو 26, 2011 3:03 pm

أسندت ظهرى على خلفية مقعدي علّه يستريح من عنائه طويل..لم تكن تلك هى المرة الأولى التى أسافر فيها فلقد ولدت مسافرة مهاجرة كلما حططت رحالى حملتها من جديد عبر الأيام والسنين التى أصبحت ممتلئة بالحفر والمطبات الصناعية والطبيعية ..كنت قبلاً أسافر بالسيارة وأترك نافذتى نصف مفتوحة لأستمتع بالهواء يطالع وجهى ليشق فيه علامات سفر لا يراها من خلق الله غيرى..كانت المشاهد فى السيارة تتسارع وتلاحقها عيوني كى تحتفظ بشىء مميز فيها ..لكنها على أية حال كانت تمر..وتصبح كغيرها من الصور المتكررة فى ألبوم مشاهدي الحياتية اليومية أو الدورية..لكنى فجأة مللت تلك المشاهد وأصبحت أحس الهواء المتسرب إلى من النافذة السيارية صفعات متتالية تذكرنى بما لا أود تذكره..وتحبسنى فى إطار صورة قديمة أبيض وأسود لا دخل للألوان فيها..لهذا ..قررت تغيير دابتى والتحول إلى القطار..

القطار..مكان مغلق أختار فيه مقعداً مفرداً لا يشاركنى فيه أو في جيرته أحد..زجاج نوافذه المقفول لا يتركنى لتلك الصفعات الهوائية المتتالية التى أرهقت أيامى وأحلامي معاً وسلبت منى القدرة على الاستمتاع بنوم هادىء وقصص نوم ناعمة..وتكييفه الصناعي يقدم لى ما أريد بالضبط دون إفراط أو تفريط..

ورائي وأمامي قصص كثيرة تجلس على مقاعدها ترتدى نقاب الزمن والخصوصية..ولأنى مثقلة لم أترك لعينى مجالاً تتصفح فيه تلك الوجوه المعنونة بمانشيتات عريضة قد تصدق أو تضلل..لم أعد أصطحب فضولى الشبابي الذى ابيضّت شعرات متناثرة من رأسه معي وهو يخطو نحو محطته الجديدة و ربما الأخيرة..لايضايقنى إلا صوت مسير القطار وهو يحتك بالقضبان الحديدية التى لا أدرى هل هى التى يتحرك فوقها أم التى تأسرنى وراءها.. اختلط مفهوم القضبان داخلى بسبب ذلك الشجار المستمر بينها وبين عجلات قطارى..

فجأة جاءت المضيفة لتسألنى :أتريدين شيئاً سيدتى؟؟؟؟

قلت بلا تفكير..نعم ..أريد أن أكون وحدى..

نظرت لى نظرة ذات مغزى..ولم ترد..ومضت تسأل غيرى..

ذكرتنى نظرتها بالماضي الذى نفضته عن كاهلى وحوارى القريب معه..كم دق بابي مراراً وتكراراً بصوره وأفراحه وأتراحه وتباريحه وتسابيحه..وأنا أقول له:دعنى وحدى..فيبتسم نفس ابتسامة المضيفة التى تقول: ستحتاجينني..وكيف لا وأنا جزء منك وأنت سِفري وكتابي الذى يكملنى..لا أستطيع أن أنفصل عنك مادمت حية تتنفسك الأيام والليالى..وتنبض بكلماتك وحركاتك أوراق سفرك..

زفرت بضيق: ماذا أفعل هل أغير دابتي للمرة الثالثة..وماذا أركب المرة القادمة؟؟طائرة؟؟؟

لا لا.. لا أحب الطائرات..ليس لأنى أخافها ولكن لأنى لا أستطيع أن أشعر أنى حية وأنا بداخلها..ففيها تشعر أنك منفصل عن الدنيا بأسرها خاصة عندما تبتعد شيئاً فشيئاً عن الأرض التى أنا بعض منها..قد أريد الوحدة والخلوة ..لكنى لا أستطيع أن أدفن نفسي فى السحب حتى تأتى محطتى..

آه…مازال قلمي يؤلمنى..يتأوه يريد الخروج من سجنه المفروض عليه بدعوى أنه مريض يستحق الشفقة والعلاج..هددته أنه لو لم ينته لأقتلنه …صرخ في بدموع مداده..وقال: لاتستطيعين..فأنت لست سيدتي..إنما سيدى الذى خلقنى فيك ونفخ فيّ روحك..فصرت أنا أنت وأنت أنا…

وبخته قائلة: "ألا تكف عن هذا الهراء؟؟"

قال:إنه ليس بهراء إنها حقيقتى وحقيقتك..لماذا تهربين منى ؟؟أتخافينني؟؟

ضحكت ضحكة هستيرية وأجبته: أنا أخافك؟؟؟..أنت فى يدى بين أصابعي لاتستطيع أن تخط حرفاً دون إذني فمن إذن يخاف من؟؟

بكى القلم..أحسست بالندم لأنى آلمته..لا أدرى ماالذى فجر الشجار بيننا..ربما هى عدوى أصابتنا من شجار عجلات القطار وقضبانها..

صافرة القطار تنطلق..ماالذى جعل السائق يطلقها؟؟مازالت محطتى بعيدة وهذا القطار لا يتوقف إلا فى محطتين ، التي ركبت منها والتى أنزل فيها..أتلفت كى اسأل المقاعد الأخرى فأجدها خاوية؟؟؟مازالت صراخ الصافرة يتوالى…ماذا أفعل؟؟أأقفز من القطار ..لا ..لا أمتلك الشجاعة لأفعل هذا؟؟ثم لماذا أقفز وأنا لا أرى حتى الأرض التى سأسقط عليها؟؟؟يكاد الصوت يصم أذني..أشعر بدقات قلبي تتسارع وبقلمي يسقط من بين يدى ويرتطم بالأرض بعنف..أرى مداده متمدداً تحت قدمي وأنا كالمقيدة فى مقعدي لا أستطيع فكاكاً..

فجأة يصمت كل شىء…وتسكن حتى حركة القطار..لكن الأبواب تظل مغلقة وفتحات النوافذ مسدودة معتمة..أغمض عيني وأسلم نفسي لمركبة أخرى..

avatar
Admin
Admin

المساهمات : 77
تاريخ التسجيل : 22/06/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://montada-al3ilm.7olm.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى